الشيخ الطوسي

18

الرسائل العشر

والمفروض أنه كان مشتغلا بتأليف الكافي في مدة عشرين سنة كما يقول النجاشي وكذلك فقد دخل بغداد معاصره أحد رجال الشيعة بقم ، علي بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق ، وصاحب التآليف الكثيرة واتصل بوكيل الناحية المقدسة ( 21 ) ، كما أن الشيخ الصدوق ، نفسه ورد بغداد عام 355 ه‍ ( 22 ) نعم . . لقد بدأ حديث أهل البيت عليهم السلام وروايات الشيعة ، تنشر وتتركز أولا في مركزين رئيسيين هما مدينة ( قم ) و ( الكوفة ) ، ثم صارت بغداد ملتقى هذين الطريقين للحديث إذ المحدثون كانوا يترددون من قم والكوفة وغيرهما ، إلى بغداد ، ويحملون معهم الأحاديث فيروونها بها ، وأحيانا كانوا يقيمون هناك . كما وظهرت وجمعت كتب الشيعة أيضا من البلاد القريبة أو البعيدة في بغداد بنفس النسبة التي اجتمع فيها علماؤهم . فإن محمد بن مسعود العياشي مثلا أحد أقطاب الشيعة في سمرقند ، قد كانت له مؤلفات عديدة أتى ببعضها إلى بغداد لأول مرة أبو الحسن القزويني القاضي في عام 356 ه‍ ( 23 ) وفي النهاية ازدهرت المكتبات الشيعية ببغداد ، ومن جملتها مكتبة أبي نصر شابور بن أردشير ( 24 ) وزير بهاء الدولة البويهي ابن عضد الدولة ، التي تأسست سنة 381 في محلة " بين السورين " ( 25 ) إحدى محلات " الكرخ " في

--> ( 21 ) - كان علي بن بابويه في بغداد عام 328 - أي قبل وفاته بسنة - كما في رجال النجاشي ص 199 ، وعلى رأي الشيخ الطوسي في رجاله ص 482 ورد بغداد سنة تناثر النجوم ، أي في نفس سنة 329 التي توفي فيها ، وسمع منه " التلعكبري " فيها . ( 22 ) - رجال النجاشي ص 303 . وقد كان الصدوق في بغداد عام 352 ه‍ أيضا وسافر في هذه الأثناء أسفارا إلى الكوفة وهمدان ومكة ، فلاحظ مقدمة بحار الأنوار ج 1 ص 36 لصديقنا المجاهد العلامة الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي رحمه الله تعالى ، ولنا ترجمة مطولة عن الصدوق في مقدمة كتاب " المقنع " للصدوق . ( 23 ) - يقول العلامة الحلي في " الخلاصة " ص 101 في ترجمته : " قدم بغداد سنة ست وخمسين وثلاثمأة ومعه من كتب العياشي قطعة ، وهو أول من أوردها بغداد ورواها . . . " . ( 24 ) - يقول عنه ابن الأثير في تاريخه الكامل ج 7 ص 324 : " كان كاتبا سديدا وقد أسس مكتبته عام 381 ه‍ ، وجمع فيها أكثر من عشرة آلاف كتاب . . . " وجاء في هامش هذا الكتاب ، أن هذا الرجل تولى الوزارة لبهاء الدولة ثم لمشرف الدولة ثلاث مرات . وكان رجلا عفيفا ، محسنا ، سليم النفس ، حسن المعاشرة ، إلا أنه كان سريع العزل لعماله حتى لا يبتلوا بالترف والافراط في العيش . وقد وقف على مكتبته أوقافا وأملاكا وتوفي عام 416 ه‍ عن عمر يقارب التسعين . ( 25 ) - كانت بغداد الأصلية تسمى " مدينة السلام " واقعة على الضفة الغربية من " دجلة " قريبة من " الكاظمية " حاليا ، بنيت مدورة لها أربعة أبواب باسم الكوفة ، والبصرة ، والشام وخراسان وكانت هندستها بهذه الكيفية : - خندق محيطة بالبلد . 2 - المثنى المبنية بالآجر والساروج سدا للسيل . 3 - فيصل خارجي في عرض 50 ذراعا : مساحة خالية عن أي بناء حفاظا على المدينة من العدو والحريق . 4 - السور الأعظم في ارتفاع 30 ذرعا ، وضخامة 5 / 22 ذراعا في الأسفل ، و 12 ذراعا في الأعلى . 5 - فيصل داخلي في عرض 150 ذراعا : مساحة بدون بناء ، دفاعا عن المدينة . 6 - جدار ثان محيط بميدان واسع في الداخل ، ومحيط بالأبنية والقصور . وكان الحد الفاصل بين الجدارين يسمى " بين السورين " . وبعد ذلك تم بناء الكرخ جنوبي المدينة ثم انهدمت أركان المدينة تدريجيا ، وبنيت مكانها محلات منضمة إلى محلة الكرخ ، وقد سميت تلك المحلات باسم مكانها من المدينة القديمة ، مثل محلة باب الكوفة ، محلة باب البصرة ، وهكذا . وفي رأيي أن مكتبة شابور كانت واقعة في مكان كان قبل ذلك يسمي " بين السورين " ولم أر من تنبه لذلك بهذا الشرح . لاحظ دليل خريطة بغداد ص 49 .